محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

142

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قوله - عزّ وجلّ - : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) التفسير قال أهل التفسير : أي يصدّقون بما أنزل إليك من القرآن وما أنزل من قبلك من الكتب المتقدّمة ؛ وقد سأل أبو ذر - رضي اللّه عنه - رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كم كتابا أنزل اللّه ؟ قال : « مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى عشر صحائف ثمّ أنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان » 435 ومعنى الآية يصدّقون بذلك كلّه لا يفرّقون بين كتاب وكتاب ، كما لا يفرّقون بين أحد من رسله . وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي الدار الآخرة ، والتأنيث فيها يرجع إلى الدار ؛ وسمّيت آخرة لأنّها بعد الدنيا ولتأخّرها عن الدار الأولى ، قال اللّه تعالى : فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ؛ وقيل : سمّيت بذلك لتأخّرها عن الخلق في الخلق ، وسمّيت الدنيا لدنوّها منهم . وقوله : يُوقِنُونَ أي يعلمون مستيقنين ( 57 ب ) بأنّها كائنة ويصدّقون بالبعث والقيامة والجنّة والنار والحساب والميزان ؛ رواه أبو سعيد وعكرمة عن ابن عبّاس ؛ وقال أيضا في قوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ * أي يصدّقون بما جئت به من عند اللّه وبما جاء به من قبلك من المرسلين ، لا يفرّقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربّهم . وقال المتكلّمون : « 1 » الإنزال والنزول لا يقتضي انتقالا . إنّه كان مثبتا في اللوح المحفوظ ، والربّ - جلّ وعزّ - كان قائلا في إنزاله عند قوم ، وفي الوقت الذي أنزله عند قوم ؛ وقوله قديم معنى قائم بذاته عند الأشعري منهم ؛ وحادث في ذاته عند الكرّامي ؛ ومحدث في محلّ عند المعتزلي . قالوا : إنّ جبريل - عليه السلام - تلقّاه إمّا بحفظه من اللوح وإمّا بسماعه وإمّا بأن خلق اللّه تعالى فهمه في قلبه ، ثمّ نزل به وأدّاه كما سمع وحفظ ، وذلك هو الإنزال . يقال : نزلت رسالة

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : الكلام .